حان الوقت لتستيقظ مفرداتنا من سباتها العميق .... لتسبح أخيلتنا في فضاءات الأدب ... و لتعش مساءات الحب ... دون أن تنظر للوراء
| ► | كانون الأول 2011 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | |||||
| 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |
| 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 |
| 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 |
| 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 |
| 31 | ||||||

حاولت جاهدا أن أرسم الكلمات بعيدا عنك لكن في كل مرة يتشكل وجهك بين حروفي ، فأجدني مرغما أعزفك كما كنت قبل سنين ، أعزفك لحنا يأخذني لحدود مسافاتي البعيدة التي تقتحم داخلي . أجدك تضحك و تغضب و تحزن ثم تهرب إلى حضني إذا ما جن ليلنا .
في داخلي شوق و حنين لا ينتهيان ، في عيني دمع ينهمر في حضرتك و في غيابك ، بين أصابعي رعشة لم أشعر بها إلا عندما أكتب عنك أو إليك .
يا نافذة الفرح التي من خلالها يتسلل بقايا الفرح إلى قلبي عله يختصر زمن البعد عنك ، علني أيضا أداعب تضاريس وجهك ، علك تأخذني نحوك من جديد .
كلماتك تحاصرني من كل مكان ، تهزأ بجميع ما نسجه قلمي من كلمات . تجتاحني رغبة في البكاء و رغبة أكثر في أن نستيقظ يوما على وسادة واحدة في أي من صباحات عيوني .
حول مائدة البراءة دعوتني يوما لكنني لم أجبك ، و بقيت تنظر إلي طويلا و أنا أتفادى النظر إليك . غصة تلك التي أرسل
لحن الانحناء
حينما لا يكون هنالك مهرب من القدر ، يقينا سوف تعزف لقلبك لحن الانحناء .
( محي الدين ) شخص ظل يعزف طويلا لقلبه لكي يرتفع قليلا ليصل إلى مستوى الانحناء . ترك كل شيء خلفه ، زوجته ، أبناءه ، و عجوزان أضنتهما الحياة ، فرسم الشقاء خطوطه على وجهيهما ، و أستوطن الكدر على شفاههما ، و وجد ملاذه الانتظار في أعينهما .
كان المطار بعيدا ، لذلك لم يرافقه أحد . رافقته حقيبته القديمة ، جواز سفره الذي كلفه الكثير ، و تلك الوصايا التي تأبى أن تفارق رأسه .
قدرك يجعلك تحمل الدنيا فوق رأسك ، يجعلك تهجر الشقاء لتقع بين أحضان التعب . يرفع الرموش عن عينيك الفجر ، لا ليقبلك ، بل ليسمعك لحن الوصايا ، و ليجعلك تتوق لذلك الذي لم تقبله يوما ، تتوق لذلك " الانحناء " .
يركب الطائرة ، فيرى الكثيرون ممن يحلمون مثله ، يحلمون بشيء يشبه الحياة ، بلحظة يرمون فيها بعيدا معطف الخوف و الأرق و يرتدون ما يجعلهم يعاندون الفجر يوما ، ليمر بهم فلا يراهم . يتهامسون عن ذلك الذي ينتظرهم ، يتساءلون عن نوع العمل الذي سيجدونه بانتظارهم ، عن تلك النقود التي ستحررهم من قيد الخوف .
يجلس بجانبه شخص على شاكلته .. يسأله :
- ما نوع العمل الذي ينتظرك ؟
- لست أدري !
- ألم يخبروك ؟
- لم أسال ، و لست أكترث !
- و كيف ذلك ؟
- كان همي أن أسافر ، فلقد سرق منا الزمن قوت يومنا !! و ماذا عنك أنت ؟
- لا أدري كذلك .
الزمن الفاصل بين الأرض و مستوى الانحناء ليس بقليل ، لذلك تنام و تستيقظ و تكتشف أنك ما زلت في بداية المشوار . الجيد في تلك الرحلة أنك لا تشعر بالغربة ، لأن الجميع فيها سواء ، شكلا ، و هنداما ، و أحلاما .
هذه بداية القصة ، لكن نهايتها لم تعلن بعد ، لأنك لا تعرف متى تصل لتلك الأمنية ، هذا إن كان هنالك وصول ، و ربما تتوق لتلك البداية التي انطلقت منها . بداية تجعلك تخشى كل شيء ، حتى السؤال عن اتجاه الطائرة . تجعلك تنظر في وجوه الجميع بحثا عن وجهك ، تجمع من أحاديثهم رصيدا لذلك القادم من الأيام ، ربما لتجعلك تتحمل و تغمض عينيك ، لا لتحلم ، بل لتستيقظ من جديد .
صوت قائد الطائرة يجمد في حلوقهم ما تبقى من كلام . لم يبقى إلا القليل و يصلوا إلى ذلك الذي يسمى خيط الحياة . تصل الطائرة ، ينزلون ، يودعون بعضهم البعض . كل منهم يظن أن هنالك من هو بانتظاره ، لكنهم واهمون . تجد في يد كل واحد منهم قصاصة من الورق مكتوب عليها عنوان أرباب عملهم .
يلتفت ( محي الدين ) في كل اتجاه ، عله يجد من ينادي على أسمه ، لكن دون جدوى . ينظر إلى القصاصة ، يخرج محفظته من جيبه ، يعد ما بداخلها من نقود ، يتوجه إلى ركن بعيد و يجلس . دام انتظاره طويلا ، لكن لم يأت أحد . قرر بعدها أن يخرج إلى شوارع المدينة بحثا عن رب عمله .
ما أصعب أن تظل تناظر عقارب الساعة و هي تسير ببطء .
كان ذلك هو الخصام الأعنف ، لم تره غاضبا هكذا من قبل ، تفوه بكلمات صدمتها ، و كان يبكي مع كل كلمة يقولها . كان الموقف لا يحتمل أن يقف عند حدود المنطق ، تعدى ذلك لينتزع ما تبقى من كبرياء قد لا نكون بحاجة له في هذا الوقت . كان ينظر إلى عينيها لكن ليس بعيني العاشق الذي تعلق بها ذات يوم .
أمسكته من كلتا يديه ، هزته بعنف ..
- أرجوك توقف .
- ليس قبل أن أبوح بكل شيء .
- بوحك يرهقني .
- بقاءه بداخلي يقتلني .
جلست جانبا و ظلت تبكي . لم يكترث كثيرا لأنه كان كالحمم البركانية التي ملت باطن الأرض .
- تعبت من أكاذيبك ، في كل مرة أكتشف أنك تكذبين ، أتذكر قصة الحب التي جمعتني بك . كنت أغمض عيني عن رؤية الحقيقة لأنني لا أراك إلا كما ألتقيتك أول مرة . أتذكر تلك العيون الذابلة و ذلك الوجه الذي يحمر عند الحديث . لكنني الآن لا أراك إلا كما أنت الآن .
- ( نضال ) ! سأكون كما أنا ، كما تريد أن تراني ، أعدك بذلك .
- ليس سهلا أن نسترجع تلك الروح التي رحلت .
- تذكر ( أفنان ) تلك التي لم تحب سواك .
- أراك ترقص وحيدا ؟
- كنت بانتظارك .
- هل تأخرت عليك ؟
- لا أعرف ، ما أعرفه أنك الآن أمامي .
- دعني أركن رأسي على صدرك و راقصني إذن .
- اقتربي .
أراد أن يشعل الشموع ، لكنها رجته إلا يفعل . الليل يخجل أحيانا من نظرات العاشقين لذلك يتسلل من بين ذراعيهما تاركا شعاعا من النور يضيء المسافة بين عينيهما . حتى النسائم التي كانت تقف تناظره من النافذة ، اليوم تجدها تدخل لكي تجعلهما يتنفسان بعمق . منذ زمن طويل لم تخرج الآهات من صدره ، و ها هي اليوم تهرب مع أول قبلة تنتزع الفجر من براثن الليل .
- آه ، كم اشتقت إليك .
- و أنا أيضا .
- اشتقت لحضنك الدافئ .
- و أنا اشتقت لأنفاسك .
ظل الليل يراقبهما ، الموسيقى خجلت من أن تتوقف ، النافذة غطت رأسها بستارة كي لا يزورهما الفجر و يستيقظ النزف .
ظلت تحدثه عن ذلك الطريق الطويل . كانت وحدها هناك . في كل الاتجاهات كانت ترى عينيه لذلك تاهت بين شعاع الشمس و ستائر الليل . حدثها هو أيضا عن ذلك النزف الذي لم يتوقف مذ رحلت ، عن تلك الرغبة الشديدة في أن تظل بين ذراعيه .
خربشات على جدران الغد ،!!
ظلت تتكلم كثيرا ، كان ينظر إليها و هو شارد الذهن ، كانت شفاهها تتحرك كثيرا ، و يديها أيضا ، كان فقط ينظر ، !!
أنهت حديثها ، تراجعت قليلا ، توجهت إلى كرسيها ، أمسكت الريموت و نظرت إلى حيث التلفاز ، توجه هو إلى النافذة ، كانت موصدة ، قام بفتحها و ظل ينظر إلى الشمس و هي تغيب ، !!
كثر هم من ينتظرون رجوع الشمس ، لكن ما أن ترجع حتى يولد غد جديد ، كأن الغد يريد أن يختصر المسافة ، لكنه يهرب ليكسر هذا ، و يسحق ذاك ، يرسم أملا لهذا ، و يسعد ذاك ،!!
و هو – نعم هو – ما زال يحاول جاهدا أن يقفز عاليا ليرى ما تحتويه جدران الغد . عبثا لا يستطيع ،و مرغما أحيانا يمسك قلمه لكي يبدأ بكتابة خربشاته على جدرانه ،!!
ظلت هي تتحدث بين الفينة و الأخرى ، و هو لا يزال يودع الشمس ، يقتلها صمته ،و يقتله أن ُيسرق منه الغد .
يتساءل عن الذين ُسرق منهم الغد ، حتى أمسهم ما عاد له أثر . ترى أين ذهبوا ، هل هم من نسمع أصواتهم خلف جدران الغد .
أمسكت هي جهاز هاتفها النقال ، تتحدث أحيانا و تبعث الرسائل أحيانا ، و هو ما زال واقفا . الشمس لم تغب بعد ، و صوت الموج كأنما يعزف له وحده .
يحاول كتابة ما يمكن على الجدران ، ثمة خربشات من الأمس . كثر هم من يكتبون الأمس على جدران الغد ، يحاولون أن يتمردوا يوما على جدرانه و أن يضعوا نقطة ، بداية سطر جديد ، لكنهم لا يستطيعوا . هل هذه النقطة هي نهاية المرحلة ، أم بداية انتظار جديد .
نهضت هي ، مشت نحو المطبخ ، تناولت كأسا من الماء ، شربته و عادت ، اقتربت منه ، نظرت إلى حيث كان ينظر ، ربما اعتقدت أنه ينظر إلى فاتنة ، رجعت ، رمت بجسدها إلى الكنبة .
هل يبقى الإنسان كثيرا و هو معلق بين أمس مُلأت جدرانه من الداخل بالخربشات و بين شوق لغد مُلأت جدرانه من الخارج بالخربشات .
لم يكن بعيدا كما أنه لم يكن قريبا ، شعر للحظة أن المسافات ليست كما كانت ، و أن الطريق أصبح متحركا حتى و إن وقفت قدماه عن المشي ، كان النزف يسيل أحيانا ، يتوقف أخرى ، كانت تلك الرعشة المتفجرة تجعله يعيش لحظات الانتشاء ، و عناق النظرات يجعله لا يريد أن يغمض عينيه ،لهيب الكلمات يعيش بين شفتيه ، هل كانت فعلا كلماته تتوارى في خجل ، أم أنها تسافر بعيدا في تلك الفضاءات البعيدة كي تعود مرة أخرى محملة بشيء يحمل معنى الحياة
تذكر تلك الغائبة الحاضرة بداخله ، اعتذر لها ذات يوم في أنه ما زال على قيد الحياة ، نظرت إليه ، أخبرته أن الخجل ما زال يعيش بين أصابعها ، لذلك لم تعد تكتب إليه ، و أعواد المشانق على شفتيها تغتال كل كلمة تحاول التمرد على أنوثتها الطاهرة .
ماذا لو أنه أستيقظ ذات يوم من ذلك الحلم ، أمسك كل كلماته ، و تمرد ، نظر نحو السماء ، و ما أن تفتح فمها ، يرمي إليها كل ما يحمل من أحلام ، علها تلتهمها .
لماذا لما يعد يسمع سوى دندنتها قرب أذنيه ، و لماذا تلك الأغنية بالتحديد ..؟؟ لماذا أدمن حبها حتى الثمالة .
قال لي ذات يوم أن يداه ترتجفان حين يخط الكلمات على تلك الرمال . الموج كما السماء يلتهمها ، يعود في اليوم التالي ، يكتب ، يبتسم الموج أيضا و يلتهمها .
السماء تلتهم الأحلام ، الموج يلتهم الكلمات ، وهي تلتهم ما بقي بداخله من حياة .
موعد مع الليل …
لم يكن ذلك اليوم عاديا كباقي الأيام ، كان مختلفا .
نهض مبكرا ، نظر من حيث النافذة ، ارتدى ملابسه و غادر دون أن يقول شيئا . لحقت به والدته تريد أن تعد له الإفطار ، لكنه لم يستمع لها ، لم يلتفت لها ، أستقل سيارته و مضى مسرعا .
حين تبتعد ملامحك عن المكان ، و حين تعتقد أنك سوف تلوح بوجهك بعيدا ، فإذا بالصورة تزداد وضوحا أمامك ، و تكتشف أنك مهما ابتعدت فإن ضحكاتك تعيش في أتون شقائك ، ربما عند ذلك تريد لوجهك أن يبعثر ذاكرتك التي تسكنك ، و أن ترسم قضبانا بداخلك تبقيك راغبا في سجن ، ذلك هو الآخر الذي يأبى إلا أن يترك خلفه أثار لا تمحى .
ظل يسير و ذلك الصوت الفيروزي يجعله يغزل الفرح من بقايا ضحكات الطفولة ، يجعله يريد أن يستعيد أشيائه العادية ، و أن ترجع كلماته إلى سباتها العميق ، فاستيقاظها على شفاهه يحرق أحلاما عاشت بالأمس ليلا طويلا ، لم يكترث لها ذات يوم ، لكنها رسمت لوحة نسجت من خيوط الروح ، لذلك ليس من السهل بمكان أن يغمض عينيه عنها .
على إحدى إشارات المرور و على جانب الطريق كان هنالك حادث مروري ، لم يستطع رغم ما كان يسكن رأسه من هواجس أن يشاهده عن كثب ، ذلك أن حشد من الناس كانوا يقفون حوله و سيارة الإسعاف خلفه مسرعة ، و هو شرطي المرور يطلب منهم أن يفتحوا الطريق حتى و إن كانت الإشارة حمراء .
يسير و البحر على مقربة منه ، و الصباح يحمل روائح الشمس القادمة من خلف الأفق تريد أن تداعب الموج الذي يغسل وجه ذلك القارب الذي يلوذ إليه عند احتضار الحلم .
ترى لماذا اتصلت به باكرا و ماذا عساها تريد ؟ بالأمس كانا معا و كانت كل الأمور تبدو طبيعية ، لا شيء يستدعي تلك العجلة إلا أن يكون الأمر جلل ، خاصة أنها رفضت أن تتحدث بأي شيء على الهاتف !
- يجب أن أراك الآن .
- لماذا ؟
- لا أستطيع أن أتكلم كثيرا على الهاتف .
- لماذا تقولين ذلك يا ( بنان ) ؟
- لا وقت للشرح الآن . نلتقي في ذات المكان .
- سأنطلق الآن .
- الوداع .
- الوداع .
تلك كانت المكالمة الهاتفية التي جعلته يعيش يوما غير عادي . و ها هو يتجه لذلك المكان الذي رآها فيه أول مرة ، كان شعرها كالموج يداعب وجه البحر . لذلك المكان تفاصيل لا يعيشها سوى الحالمون الذين يبدءون الحياة عندما ينام الآخرون .
وصل قبل الموعد ، ظل يتجول ، أخذته الذاكرة بعيدا و هي تستنشق رائحة الحياة . كأنه كان و البحر على موعد ذلك الصباح ، أقترب منه ، أمسك البحر بيديه ، أراد أن يمسح دموعه بأمواجه ، راقب عن بعد ضحكاته و جلس . ظل يرقب عن قرب أمواج البحر و هي تتراقص تحاول أن تكسر جزءا من صمت العاشقين .
ما بالها تأخرت ..؟؟ هكذا هو طبع النساء ..!! يعرف أن الأمر لا يستحق تلك اللهفة في الاتصال ، لكنها تعود أن لا يخذلها ، ذلك أنها مرهفة الحس ، خجولة ، تختنق الكلمات على شفاهها قبل أن تخرج متلعثمة أحيانا و متمردة أحيانا أخرى .
جميلة هي الذكرى حينما تكون مع من تحب . تذكر أنه عندما رأى عينيها ذات يوم ، دارت به الدنيا ، ذهب إلى حيث كان يجد المتعة في التحليق بعيدا عن فوضى الحياة ، إلى ذلك البحر الذي رغم مساحاته الرحبة ، إلا أنه لا يستوعب حلم صغير طالما أراد أن يكبر . في ذلك اليوم ركب القارب وحده ، طلب أن يمشي بطيئا ، و تمنى في دخيلة أن يظل يسير حتى ساعات الصباح . كان فقط هو و البحر و أحلامه و على مقربة منه ذلك الطيف الذي يأبى أن يفارق المخيلة .
عاد به القارب إلى الشاطئ ، لكنه طلب أن يؤخذ جولة أخرى . كان يقف على مقدمة القارب مغمضا عينيه ، كان لا يدري إن كان البحر قد يقرأ ما بعينيه ، و هل تحتاج الكلمات بين شفاهه إلى النهوض من رقود طال و قد يطول . الحوار مع البحر له نكهة خاصة ، ذلك أنه يحتويك و يأخذ إلى حيث العمق ما تقول ، ليرجع مرة أخرى عطشا لمفردات ترهقك و تجعله يثور . و كان يتساءل هل يشعر الموج بارتعاشه أصابعه ، و هل يغضبه أنه لا يريد لأي قارب آخر أن يبحر فيه سواه ؟
عاد به القارب مرة أخرى إلى حيث الشاطئ .
عندما كان على وشك النزول ، أقترب منه ذلك الشخص الذي يقود القارب .
- لماذا كنت مغمضا عينيك في كلتا الجولتين ؟؟
- لكي أرى ..!!
- كيف ذلك ؟
- لكي ترى جيدا يجب أن تغمض عينيك ..!!
حرك الرجل شفتيه ، و كأنما لم تعجبه الإجابة . ودعه و غادر .
لقد اتفقا أن تأتيه في الثامنة صباحا ، و هي الآن الثامنة إلا ربع . كيف لم تأت بعد وهي التي كانت من تنتظره كثيرا عندما كانا يكونان على مقربة من البحر . كان البحر يخجل من نظراتهما ، و هما كانا أيضا يخجلان فينظر كل منهما على حيث الجهة الأخرى . كان يدمن على ضحكات ( بنان ) ، سكونها كان سحابة يستظل بها من حر تلك الأيام . كان الجميع يرمقونهم بنظرات عندما يتحسس وجهها ، و يمسح دموعها . كانت كما البحر ، يتمنى لو يمسك أمواجه و يظل يركض ، و كما كان يود أن يرفع الأمواج عن وجنتي البحر و أن يقبله .
- لماذا تظل تنظر إلى البحر ؟
- ألست عاشقا أضناه الوله ..!!
- ألست تخاف ..؟؟
- أخشى أن تنحسر أمواجه ذات يوم عني ، و يتيه القارب و افتقده .
- لكنني معك .
- أنت كما هو ، أتمنى أن أكون قاربا يبحر وحيدا في مياهك .
- كيف ذلك ..؟؟
- أتمنى أن تتلقفني أمواجكما يمنة و يسرة ، حتى و أن تكسر ، فإنه يسقط عميقا فيكما ، أو ربما تأخذه الأمواج بعيدا لجزيرة لا يحكمها سواكما .
أحاديث البحر لا تنته . كلما فتح بابا في البحر ، مد له يده ، نظر في عينيه ، تاه فيهما ، رأى ضحكته ، تمنى لو يبقى طويلا هناك . كلما هم القارب بالرحيل ، شعر أن البحر يريد أن يضمه لصدره ، لتلتف حوله أمواجه ، و ليشرب من عذب ماءه ، و ليشتم أنفاسه الندية .
يا الله ما أجملك أيها البحر حينما تستيقظ صباحا لتعطر الدنيا بشذاك و ليغتسل الزهر منك . ما أجملك حينما تنحني لتقبل السماء . كان لا يريد له أن يمل من أحاديثه ، و لا يريد لأمواجه أن تتعب من مناجاته ، ولا لكلماته أن ترهق سكونه ، لأنه كان يشعر بالانتماء إليه .
كانت عندما تكون معه ، يستعيد كل ما غناه القمر في تلك الليالي الذابلة التي تنام مرغمة . في ذات يوم كانت تحاول أن تلملم ما تبقى من لحظات و :أنها تريد أن تغادر .
خيوط الذاكرة
طرق الباب ، أراد أن يفاجئها ، لكن ما من أحد يجيب . استخدم مفتاحه الخاص ، فتح الباب ، و دخل . بحث عنها في المطبخ ، غرفة النوم ، غرفة الجلوس ، لم يجدها . أمسك هاتفه ، حاول أن يكلمها لكنها لا تجيب .
كان بيده علبة صغيرة مغلفة ، وضعها بجانب المرآة عند مدخل البيت ، توجه إلى غرفة الجلوس ، جلس قليلا ، اتصل بها لكن أيضا لا تجيب .
توجه بعد ذلك إلى غرفة النوم . رمى بنفسه على السرير . كانت هناك قصاصة من الورق على الوسادة ، نظر إليها ، فتحها ، دهش مما قرأ .
عندما غادرها في الصباح ، كان كل شيء عاديا . لم تكن الأمور كم يراد لها أن تكون ، لكن هذا لم يستدع أن تغادر المنزل تاركة حلفها هذه الورقة التي أرهقته .
رمى بالورقة جانبا ، فتح أحد الأدراج ، تناول البوم الصور وظل يقلبه . منذ فترة ليست بقصيرة لم يرى تلك الصور . بعضها مضحك ، أخرى مليئة بضحكات الفرح ، و صور يعيش الحب بين ثناياها .
في درج آخر ، كانت هناك بعض الرسائل ، ظل يقرأها و كأنما يفعل للمرة الأولى في حياته . يا الله كم كانت الكلمات تخرج بعفوية ، و كم حين تحب ، لا تأبه لشيء إلا أن يصل الحب بكل دفئه لمن تحب .
دمعت عيناه و هو يقلب الصور و الرسائل .كان من بين الرسائل ، رسالة كان قد كتبها لها عندما تعرف إليها ، ظل يقرأ و الذاكرة تأخذه عنوة إلى الوراء . تذكر كيف أنه صادفها قبل ثلاث سنوات ، كانا معا في دورة في الجامعة . أبتسم و هو يتذكر كيف تعرف إليها . جراءة تلك لا يمكن أن ينساها . عيناها كانتا أول من لفت انتباهه . لله درها ما أجملهما .
بعد أول يوم من أيام الدورة التي استمرت أسبوعا ، كتب عنها ، بل بالتحديد عن تلك العيون التي أسرته . تساءل في نفسه عن ذلك الصهيل ، هل ما زال يسمعه أم أنه خفت و تلاشى . أمسك الرسالة و بدأ يقرأ :
" و ها أنا تلفني الشمس من كل جانب ، استرشد في صحرائي المترامية الأطراف بصوت صهيل عينيك ، لأرجع باحثا عما بقي مني ، لا أجد سوى بعض حقائبي تحوي أحاديث الأماسي ، و في جيبي بعض نجمات تساقطت ذات يوم من بين يديك . أبحث ، علني فقط أجد المكان الذي ابتدأت منه مشواري . أحيانا أتساءل كيف و متى بدأت ، لكنها الصحراء تسرق ما تبقى من آثاري .
يلتفت وجهي إلي مستغربا ، لا أبدي دهشة إذ أنني لا أجد تلك الخيوط التي تراكضت يوما بداخلي ، اسمع صوت لهاثها ، و اسمع صوت آخر يناديني ، أنه صوت صهيل عينيك ، فاستعد لرحلة جديدة ، اترك حقائبي خلفي ، أقف على أبواب المجهول أسجل اعترافاتي ، صوت المكان يرهبني ، الليل يطفئ ما احترق مني ، فأنظر إلى ما بقي مني ، لأتذكر الحقائب ، أحاديث المساء ، و ارجع بحثا عني ، فتبتعدين مسافات طويلة . مرة أخرى يلهث ذلك الصوت بداخلي ، و أجلس ، تلومني الرمال ، تلوكني الألسن ، و أشعر بكل تلك العيون تراقبني ، و ألتقي أنا و أنت مرة أخرى في عنق الزجاجة ، و أنظر في عينيك لأنسى ما كان ، و أرى تلك الخيول واقفة هناك خلف السياج تصهل ، فأغمض عيني خوفا منك ، لا، بل خوفا عليك .
و أرحل مرة أخرى مع الفجر ، أرتل بعض ما كتبت ، أزرع الخوف في ما تبقى من نصوصي ، أنظر في مرايا قلبك ، أرى سنين عمري ، فلا اعرف نفسي ، فألمسها ، فأشعر أن القلب الآخر مني قد رفع عينيه ، ينظر إلي ، فأبكيه ، و يبكي معي ، يحاصرني بالأسئلة ، و أحاصره بالدموع ، فينتفض ، أخاف أن يموت ، فأحتضنه ، فيمسك وجهي ، و أتلاشه ، لكن ما زال في أذني صهيل عينيك ، أخشى أن تقفز تلك الخيول و تسكن عيني ، لتسكنين أنت قلب الذاكرة ، و أنا الذي أردتها أن تلفظ أنفاسها الأخيرة ، لأظل أقرأ عليها نزفي و جراحاتي ، ثم مع الفجر أرحل ، أترك الشفق الأحمر خلفي ، و أتجه إلى حيث نقتسم المجهول ، لأقرئك كلمة بدأت بها رحلتي ، و أنتهي بك حلما طالما أراد أن يكسرني .
أرجوك انزعي من داخلي صوت تلك الخيول التي تصهل في عينيك …!! "
كم كانت لحظات محرجة و هو يضع لها الورقة داخل دفتر كانت تحمله دون أن تدري . في اليوم التالي ، كانت نظراتها تتفحصان كل الموجودين معها . حاول أن يتفادى تلك النظرات ، لكن أنى ذلك و هو يسمع صهيلهما .
- أنت من وضعت الورقة في دفتري ؟
-









